علي الأحمدي الميانجي
69
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
إلهي رَبَّيتَني في نِعَمِكَ وإحسانِكَ صَغيراً « 55 » ونَوَّهتَ بِاسمي كَبيراً « 56 » فَيا مَن رَبّاني فِي الدُّنيا بِإِحسانِهِ وتَفَضُّلِهِ ونِعَمِهِ « 57 » وأشارَ لي فِي الآخِرَةِ إلى عَفوِهِ وكَرَمِهِ « 58 » مَعرِفَتي يا مَولايَ دَلَّتني ( دَليلي ) عَلَيكَ « 59 » وحُبّي لَكَ شَفيعي إلَيكَ « 60 » « إلهي ربّيتني » مرّ الكلام في معنى الإله ، ومرّ الكلام في معنى الربّ ، واللَّه سبحانه وتعالى يربّي مخلوقاته حتّى يوصله إلى كماله ، قال سبحانه : « قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و ثُمَّ هَدى » ، « 1 » يربّيه شيئاً فشيئاً حالًا فحالًا إلى حدّ التمام ، فهو سبحانه يربّي الإنسان ، كما قال الحسين عليه السلام : « اللّهمّ إنّي أرغب إليك ، وأشهد بالرّبوبية لك ، مقرّاً بأنّك ربّي ، وأنّ إليك مردّي ، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً ، وخلقتني من التراب ، ثمّ أسكنتني الأصلاب ، آمناً الريب المنون . . . » . « 2 » « ونوّهت باسمي كبيراً » نوّه فلان بفلان ؛ إذا رفعه وطيّر به وقوّاه ، نوّه به تنويهاً : دعاه برفع الصوت ، ونوّه به : رفع ذكره ومدحه وعظّمه ، أي رفعت ذكر اسمي في كبري وشهّرته وعظّمته عند الناس . الإنسان يحتاج في صغره مع ضعفه وعدم الحيلة له إلى تربيته وتغذيته ، كما ذكره الحسين عليه السلام في دعاء عرفة . . . « فابتدعت خلقي من منيٍّ يُمنى ، وأسكنتني في ظلماتٍثلاث . . . ثمّ أخرجتني للّذي سبق لي من الهدى إلى الدنيا تامّاً سويّاً ، وحفظتني في المهد طفلًا صبيّاً ، ورزقتني من الغذاء لبناً مرّياً ، وعطفت عليّ قلوب الحواضن ، وكفّلتني الأُمّهات الرّواحم ، وكلأتني من طوارق الجانّ ، وسلّمتني من الزيادة والنقصان . . . » . فاللَّه سبحانه هيّأ له حال كونه ذرّةً غير مرئيةٍ ودماً ونطفةً وعلقةً ومضغةً وجنيناً ووليداً ورضيعاً ويافعاً ، كلّ ما يحتاج إليه في رحم أُمّه وأيّام رضاعه ، أكمله وهداه ، وألهمه في فطرته جوعه وعطشه ، وإظهارهما بالبكاء والأنين ، وأخذ الثدي ومصّه ، وإخراج اللّبن وازدراده ، وجلب النفع ودفع الضرّ ، ثمّ هداه بعقله إلى الحسن والقبيح ، ومعرفة الخالق
--> ( 1 ) . طه : 50 . ( 2 ) . دعاؤه عليه السلام في عرفة ، من أراد التفصيل فليراجع الدعاء في الإقبال : ج 2 ص 74 .